سليمان بن خلف بن سعد ( ابن أيوب الباجي المالكي )

38

كتاب الحدود في الأصول

ومن أصحابنا من قال : ان الدليل إنما يستعمل فيما يؤدي إلى العلم . وأما ما يؤدي إلى غلبة الظن فهو أمارة . وهذا تنويع قصد به المبالغة ، فلم يوصل إلى الحقيقة ، لا سيما على قول القاضي أبي بكر « ان كل مجتهد مصيب » لأن المستدل بالدليل المؤدي إلى غلبة الظن قد توصل به إلى العلم والقطع . لأن القياس والمستدل بخبر الآحاد إذا عمل به فقد علم أنه عمل ما أمره به ربه وافترضه عليه ، لأن الذي كلّف هو الاجتهاد في بلوغ غلبة الظن ، وهو متيقن وجود ذلك منه . وكذلك على قول شيوخنا « ان الحق في واحد » فإن الفرض إنما يتعلق بالاجتهاد إلى غلبة الظن ، فإذا وجد ذلك منه ، فقد علم قطعا وقوع ذلك منه وأداؤه لفرضه . ولو قلب هذا القول على مقسمه لما كان له طريق إلى اثبات ما اختار منه . وحدّ الدليل : ما صح أن يرشد إلى المطلوب الغائب عن الحواس « 1 » . [ ومعنى ذلك أن الدليل الذي يصح أن يستدل به ويسترشد ويتوصل به إلى المطلوب ، وان لم يكن استدلال ، ولا توصّل به أحد . ولو كان الباري جل وعلا خلق جمادا ولم يخلق من يستدل به على أن له محدثا لكان دليلا على ذلك ، وان لم يستدل به أحد . فالدليل دليل لنفسه : وان لم يستدل به .

--> ( 1 ) وقد عرفه القاضي الباقلاني في التمهيد ص 39 بقوله : هو المرشد إلى معرفة الغائب عن الحواس وما لا يعرف باضطرار . وهو الذي ينصب من الامارات ، ويورد من الايماء والإشارات مما يمكن التوصل به إلى معرفة ما غاب عن الضرورة والحس .